المقريزي
163
المقفى الكبير
نيابتها ، إرضاء لخاطر تنكز . فسار من الغد وقد شقّ عليه ذلك ، فتألّم له الأمراء . فلمّا خرج تنكز من مصر عائدا إلى دمشق سار الطنبغا ليتلّقاه بالداروم وعمل له سماطا يليق به . فلم يأكل منه غير لقمة واحدة ، وركب ولم يبشّ لألطنبغا ولا استدناه حتى نزل بالميدان ظاهر غزّة ، فأكبّ الطنبغا يقبّل [ 221 أ ] يده ، وكشف رأسه واعترف بالخطإ . فأقبل حينئذ عليه وحادثه وأكل طعامه وطاب خاطره عليه ، ثمّ سار بعد ما خلع عليه . فلم يزل على نيابة غزّة إلى أن تغيّر السلطان على تنكز . [ ف ] كتب إليه بنيابة دمشق ، وأنّ الأمراء واصلون إليه بالعسكر حتى يسيروا معه إلى دمشق ، وأنّ الأمير طشتمر قد رسم له بالتوجّه من صفد إلى دمشق ليجتمع هو والأمير قطلوبغا الفخريّ وأمراء دمشق ويقبضوا تنكز . فسرّ بذلك أعظم مسرّة ، وأخذ في الأهبة للمسير ، وقدّم أحد نجّابته بملطفات إلى أمراء دمشق بذلك ، فبقوا على أتمّ استعداد إلى أن قدم عليهم الأمير طشتمر نائب صفد وقبض على تنكز كما ذكر في ترجمته « 1 » ، وبعث به إلى مصر ، ونزل بالمدرسة النجيبيّة . وقام الأمير قطلوبغا الفخريّ وبقيّة أمراء دمشق بحفظ المدينة . فقدم مملوك الأمير الطنبغا إلى الأمير طشتمر بعوده إلى صفد ، فتوجّه إليها . وقدم العسكر من مصر إلى غزّة صحبة الأمير بشتاك ، والأمير أرقطاي ، والأمير برسبغا ، فتلقّاهم الأمير الطنبغا وأنزلهم ، ثم سار معهم يريد دمشق . فالتقوا مع تنكز على بيسان وهو محتفظ به ومرّوا لمقصدهم . فقدم الأمير الطنبغا ، والأمير بشتاك ومن معهما دمشق في يوم الاثنين سادس المحرّم سنة إحدى وأربعين . فخرج الناس إلى لقائهم ، ونزل الطنبغا بدار السعادة على العادة ، ونزل بشتاك بالميدان ، وتفرّق بقيّة الأمراء في عدّة أماكن . وركب من الغد يوم الثلاثاء الطنبغا [ إلى ] الموكب ومعه الأمراء . وقبض على الأمير صاروجا المظفّريّ ، والأمير الجيبغا العادليّ ، وجنغية وطغية « 2 » ، وأوقعت الحوطة على موجودهم ، وعوقب جنغية وطغية وعوقب حواشيهما وأسبابهما ، ثم وسّطا تحت قلعة دمشق . وأكحل صاروجا ، وتتبّعت أموال تنكز ، وتولّى بيعها الطنبغا وأرقطاي مدّة شهر ، فكان في ذلك أعظم عبرة ، فإنّ تنكز لم يعرف عنه أنه قصد أحدا فخاب قصده ، إلّا في الطنبغا وأرقطاي ، فإنّه ما زال يحاول قتلهما ، والأقدار تحول بينه وبينهما ، بحيث إنّ السلطان كان يقول بعد قتله لتنكز : واللّه ما خلّصت الطنبغا وأرقطاي منه إلّا كما تخلّص من الأسد فريسته . ونودي بدمشق : « من [ ترك ] تنكز عنده وديعة [ فل ] يحضرها ، فإنّه كتب كلّ ماله في أوراق عند السلطان . فخاف الناس وأتوا بما عندهم ، وصودر جماعة كثيرة من الناس بدمشق وأخذت أموالهم فكانت أيّام نكدات . ثم رسم بتجهيز عساكر الشام لأخذ توريز ، فتأهبّبوا لذلك وأنفقوا في إصلاح شأنهم مالا كثيرا تكلّفوا له . وبينا هم في ذلك إذ قدم الخبر بموت السلطان فبطلت التجريدة ، وحلف الأمراء
--> ( 1 ) ترجمة تنكز رقم 1034 . ( 2 ) « وهما من الزام تنكز » ( أي أتباعه ) ، السلوك 2 / 507 ، وسيسمّيهما في ص 245 : جنغاي وطغاي . وانظر الوافي 11 / 196 رقم 294 ( جنغاي ) و 16 / 46 رقم 480 ( طغاي ) .